في تقرير حديث نشرته شبكة “فوكس نيوز” (Fox News)، عاد ملف القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة القرن الإفريقي إلى الواجهة، على خلفية عرض مثير للجدل تقدمت به “أرض الصومال” لواشنطن يقضي بتمكينها من استخدام قاعدة جوية وميناء بحري بمدينة بربرة، حيث يأتي هذا التطور في سياق تصاعد التوترات المرتبطة بإيران والحوثيين، وتزايد التهديدات التي تستهدف خطوط الملاحة الحيوية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وهذا المعطى الجديد يطرح تساؤلات عميقة حول أبعاد التحرك الأمريكي المحتمل، بين السعي لتعزيز النفوذ العسكري في واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية عالميًا، أو الانخراط في ترتيبات قد تعقد التوازنات الإقليمية وتؤثر على علاقاتها مع حلفائها التقليديين.

❖ أهمية استراتيجية
تكتسي منطقة باب المندب أهمية جيوسياسية بالغة، باعتبارها أحد أبرز الممرات البحرية العالمية التي تربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس.
ومع تزايد التهديدات الأمنية في مضيق هرمز، تحولت هذه النقطة إلى شريان رئيسي لنقل النفط من الشرق الأوسط نحو آسيا، حيث تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، برزت مدينة بربرة الواقعة في “أرض الصومال” كخيار استراتيجي محتمل للولايات المتحدة، إذ تضم ميناءً عميق المياه ومدرجًا جويا طويلا يعد من بين الأطول في إفريقيا، حيث استخدم سابقًا كموقع هبوط اضطراري تابع لوكالة “ناسا”.
ووفق “فوكس نيوز”، فإن هذه المؤهلات تجعل من المنطقة منصة محتملة للعمليات الجوية والبحرية، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية المتزايدة.
❖ تحركات عسكرية
شهدت الفترة الأخيرة تحركات لافتة لمسؤولين عسكريين أمريكيين، من بينهم قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، الذي زار منشآت في “أرض الصومال” واطلع على إمكانياتها اللوجستية والعسكرية، كما عقد لقاءات مع مسؤولي الإقليم.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الزيارات ليست معزولة، إذ يتم تسجيل وفود عسكرية أمريكية بشكل دوري إلى العاصمة هرجيسا، ما يعزز فرضية وجود نقاشات غير معلنة بشأن إمكانية توظيف هذه القاعدة في إطار الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، خاصة لمواجهة نفوذ إيران والحوثيين.

❖ تنافس إقليمي
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تسعى طهران إلى توسيع نفوذها عبر دعم الحوثيين في اليمن، ما يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر.
وحذرت جهات مقربة من الحرس الثوري الإيراني من احتمال تصعيد العمليات في مضيق باب المندب، معتبرة ذلك أحد خيارات الرد في حال استمرار الضغوط الأمريكية.
وفي المقابل، ترى بعض التحليلات أن تموقع الولايات المتحدة في بربرة قد يمنحها قدرة أكبر على مراقبة وتأمين الممرات البحرية، كما قد يتيح لها دعم حلفائها الإقليميين، مثل إسرائيل والإمارات، في مواجهة التهديدات الحوثية.
❖ إشكال الاعتراف
رغم الأبعاد العسكرية والاستراتيجية، يظل ملف الاعتراف بـ”أرض الصومال” العقبة الأبرز أمام أي اتفاق رسمي، فالولايات المتحدة لا تزال تؤكد التزامها بوحدة وسيادة الصومال، وهو ما عبرت عنه وزارة الخارجية الأمريكية بشكل واضح.
وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد ألمح في وقت سابق إلى إمكانية النظر في الاعتراف بـ”أرض الصومال”، غير أن هذا الطرح يثير مخاوف من تداعيات دبلوماسية، خاصة مع دول عربية حليفة لواشنطن مثل السعودية ومصر، التي قد ترى في هذه الخطوة تهديدًا لتوازنات المنطقة.
❖ حسابات الحلفاء
تتباين مواقف الخبراء بشأن جدوى هذا التوجه، حيث يرى البعض أن الاعتراف بـ”أرض الصومال” قد يضر بالعلاقات الأمريكية مع شركائها التقليديين، بينما يعتبر آخرون أن الاستفادة من القاعدة دون اعتراف رسمي قد يشكل حلاً وسطًا يحقق المصالح الأمنية دون كلفة سياسية كبيرة.
وتبرز جيبوتي، التي تستضيف قاعدة أمريكية قائمة، كعامل مؤثر في هذا التوازن، خاصة مع ما يتداول عن تراجع حماسها لبعض السياسات الأمريكية، ما قد يدفع واشنطن للبحث عن بدائل استراتيجية.

❖ أفق مفتوح
رغم النفي الرسمي لوجود نية أمريكية لإنشاء قواعد جديدة، تشير المعطيات الميدانية إلى أن خيار “أرض الصومال” لا يزال مطروحًا بشكل غير معلن.
وتكثيف الزيارات العسكرية، وتصاعد أهمية المنطقة في سياق النزاعات الإقليمية، يعكسان وجود تفكير استراتيجي متقدم بشأن إعادة توزيع النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة.
ويبدو أن عرض “أرض الصومال” يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة؛ بين اغتنام فرصة استراتيجية لتعزيز حضورها في واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم، أو تجنب تداعيات سياسية ودبلوماسية قد تعمق التوترات مع حلفائها وتعيد رسم خرائط التحالفات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.




تعليقات الزوار ( 0 )