يستعد المخرج المغربي هشام العسري للعودة إلى القاعات السينمائية من خلال فيلمه الجديد “المطرود من رحمة الله”، المرتقب عرضه يوم الأربعاء القادم (8 أبريل 2026)، في سياق فني يتسم بجدل متجدد حول حدود حرية الإبداع وطبيعة الجرأة في الأعمال السينمائية المغربية، حيث يأتي هذا العمل امتدادا لمسار فني خاص؛ ظل وفيا لرهان “سينما المؤلف” (Cinéma d’auteur) التي تشتغل على مساءلة الواقع وكسر القوالب الجاهزة.
وفي هذا الحوار مع جريدة “الشعاع”، يفتح العسري قوسا واسعا للحديث عن فلسفته في صناعة الصورة، واختياراته الجمالية والسردية، كما يقدم قراءة نقدية لواقع السينما المغربية والأعمال الدرامية، ويقارب إشكالية التمويل والإنتاج، مؤكدا على أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن الجرأة والمسؤولية، وأن تطوير السينما الوطنية رهين بقدرتها على خلق الدهشة وطرح الأسئلة العميقة.

❖ ما الذي يحرك خياراتكم الفنية؟
ما يحفزني في الأساس هو البحث السينمائي الخالص، وتحديدا في مجال الكتابة والقدرة على ابتكار عوالم جمالية وشخصيات غير نمطية، وفي فيلمي الجديد “المطرود من رحمة الله”، أواصل الاشتغال ضمن منطق “الأبطال-الضد” (Anti-héros)؛ تلك الشخصيات التي تعيش على الهامش لكنها ترفض بضراوة لعب دور الضحية، وتحاول فرض ذاتها داخل مجتمع معقد التركيبة.
الإبداع الحقيقي هو الابتكار من العدم
وهذا التوجه يتيح لي النبش في المناطق الرمادية للنفس البشرية بعيدا عن التبسيط الساذج، فالهدف هو ابتكار صور قوية تخلق نوعا من الصدمة أو “التروما” (Traumatismes) لدى المشاهد؛ صدمة تجبره على مواجهة عواطف مركبة لا يمكن اختزالها في خطاب وعظي أو محتوى سطحي.
وأؤمن أن الإبداع الحقيقي هو الابتكار من العدم (Ex nihilo)؛ أي أن تخلق من اللاشيء عملا يولد آلاف القراءات، وفي زمننا هذا؛ يوجد 14 ألف “بودكاستر” يحللون وينتقدون، لأن التعليق هو الفعل الأسهل، أما الابتكار فهو المغامرة الحقيقية التي أسعى من خلالها لرسم مغرب معاصر ومتخيل في آن واحد.
❖ كيف تصفون فلسفة “السينما الديالكتيكية” في أعمالكم؟
أتبنى مفهوم “السينما الديالكتيكية” أو الجدلية (Cinéma dialectique)، وهي تلك التي تطرح الإشكال بعمق وتترك للمتفرج حرية صياغة الجواب، ولا أؤمن بالأعمال التي تقدم “حقيقة واحدة”، بل يسعدني أن ينقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض، لأن العمل الفني ينضج فعليا في اللحظة التي يفتح فيها هؤلاء حوارا وتفاعلا بينهم.
ومن خلال هذا الحوار الجدلي، نساهم في بناء وعي أكثر انفتاحا، فالسينما في النهاية نافذة على العالم الشاسع، والفن يدفعنا للخروج من قوقعة الضعف والهشاشة لمواجهة الأسئلة الوجودية الكبرى، وهو ما يتطلب شجاعة في الطرح؛ فالفنان يجب أن يكون مرآة، حتى لو كانت هذه المرآة قاسية أو ساخرة، لتعكس جراحنا المفتوحة.

والأهم في نظري هو أن نتحدث عن أنفسنا بكرامة وفخر، وأن نمتلك المسؤولية للقول بشكل صريح وواضح إن هناك أشياء لا تعمل ويجب تحسينها.
والفنان الحقيقي هو من يحمل بذرة الشاعرية التي تحميه من الخوف، وتجعله لا يبالي بمحاولات التكميم أو الإسقاط، مؤمنا بأن الزمن كفيل بتغيير العقليات.
❖ لماذا تنحازون إلى السينما العميقة والشخصية؟
لطالما كنت منجذبا إلى سينما شخصية وعميقة؛ قادرة على طرح الأسئلة دون تقديم أجوبة جاهزة، وتتيح للمشاهد الانخراط عاطفيا وفكريا لفهم العالم، وفي زمن يطغى عليه التبسيط والثنائيات الجاهزة، أرى أن من واجب السينما أن تعيد الاعتبار للتعقيد.
ولذلك أشتغل على البعد الحسي والعاطفي، وأسعى إلى ابتكار صور قوية وغير مألوفة، تخلق احتكاكا دراميا وتعيد طرح سؤال “من نحن؟” بطريقة جريئة، بعيدا عن القوالب الجاهزة.
❖ هل الجرأة هي العنصر الحاسم في نجاح الفيلم؟
لا أظن أن الجرأة هي العنصر الأساسي والحاسم في السينما، بل أرى أن المسألة تتعلق بكل من الموهبة والعمل الجاد والصادق، الذي يصل في نهاية المطاف للمتلقي، ويجيب عن تساؤلاته المرتبطة بالفيلم الذي شاهده.
والأهم في العمل السينمائي هو الإجابة عن التساؤلات الثلاثة التالية بشكل واضح: ماذا يقول هذا الفيلم، وما الذي يضيفه للمشاهد، وبأي قوة ونفس جاء؟
وهناك العديد من الأعمال التي تبدو في الظاهر جريئة، لكنها في العمق فاقدة للحيوية، لأنها لا تحمل في الواقع روحا حقيقية، حيث ينعدم فيها كل من الروح والإبداع.
❖ ما تقييمكم لواقع الإنتاج السينمائي والدرامي بالمغرب؟
نحن نعيش حالة من التدفق الكمي، خاصة في إنتاجات رمضان، لكن المشكلة تكمن في غياب النفس والعمق، حيث إن معظم هذه الأعمال تصنع بنوع من العجلة (À la va-vite) ومن قبل أشخاص يشتغلون بمنطق “الارتزاق” أكثر من الإبداع، والنتيجة هي أعمال فاقدة للحيوية لا يتبقى منها شيء في ذاكرة المشاهد.
سئمنا من رؤية أفلام يصنعها أشخاص لا يفهمون هذا البلد
وهناك أزمة في التمثيل السينمائي للمغرب؛ فقد سئمنا من رؤية أفلام يصنعها أشخاص لا يفهمون هذا البلد، أو يقدمونه بشكل سطحي، وحتى بعض من يفترض أنهم مغاربة، يقدمون أعمالا هي مجرد نسخ مشوهة لأساليب مخرجين مثل عبد اللطيف كشيش أو إيليا سليمان، أو أعمال من فئة “Direct-to-video” (أفلام المنصات الرقمية وليس أفلام السينما، لأنها في شكلها وطبيعتها مخصصة لما يشار له بالإصدار المنزلي المباشر، أي من الاستوديو إلى المشاهد في منزله فورا)؛ التي تفتقر للأصالة وتثير السخرية لضحالتها.

ولا يجب أن ننخدع بالأرقام؛ فلفترة طويلة كنا نعد عدد الأفلام المصنوعة لنقول إن لدينا سينما مغربية، بينما الحقيقة هي أن لدينا سينمائيين مغاربة وليس صناعة متكاملة.
ويكفي إلقاء نظرة على قائمة المنتجين في المركز السينمائي المغربي لندرك أن هناك زحاما في الأسماء ونقصا حادا في الأعمال الفنية الحقيقية التي تحمل روحا وحقيقة.
❖ لماذا تلجؤون غالبا لتمويلات بديلة بعيدا عن المركز السينمائي؟
المسألة مرتبطة بالإيقاع والرغبة في الإنجاز، فمن بين أفلامي الطويلة التسعة، هناك ثلاثة أفلام فقط تم تمويلها من قبل المركز السينمائي المغربي، وليس لأن لدي مشكلة معه، بل لأنني شخص قليل الصبر، وإنجاز فيلم من خلال هذه الوسائل قد يتطلب 4 أو 5 سنوات من الانتظار، وأنا لا أستطيع رهن إبداعي بهذا الوقت الطويل.
معظم المخرجين تحولوا إلى موظفين لدى المركز السينمائي
وأحيانا تولد لدي رغبة في كتابة قصة وتصويرها بعد ثلاثة أشهر فقط، وهذا ما يدفعني للبحث عن تمويلات بديلة وحلول ذكية، سواء عبر الإنتاج المستقل أو علاقات الصداقة المهنية.
وما يحزنني هو أن معظم المخرجين تحولوا إلى موظفين لدى المركز السينمائي؛ ينتظرون الدعم ويعيشون على إيقاع ساعته الإدارية، وهذا يقتل روح المبادرة.
والفنان ليس موظفا، بل هو مبدع يصنع الأشياء لأنه يؤمن بها، والأهم بالنسبة لي هو العمل الفني ذاته، أما كيف صنع، فهذا شأن يخص الفنان.
وبما أنني شخص شديد النشاط، فأنا أريد تقديم أكبر عدد ممكن من الأفلام قبل أن ينضب نبع الإلهام، لأن التاريخ لا يحفظ ظروف التمويل، بل يحفظ جودة الأثر الفني.
❖ كيف تنظرون لردود الفعل الساخطة من الجمهور؟
بالنسبة لي، المواطن هو أيضا فنان، هو شخص يمكنه القول إنه غير راضٍ عن هذا أو ذاك، وإذا كان يملك الوسيلة لفعل ذلك عبر فيلم، فهذا مهم جدا لأنه يساهم في تطوير العقليات.
والمواطن له دور في التعبير عن مواقفه، وفي المساهمة في تطوير النقاش العمومي، ويمكن للفن أن يكون وسيلة لطرح القضايا والتعبير عن عدم الرضا.

وحتى إذا قوبلت الأفكار البارزة في الأعمال الفنية حاليا بالرفض أو ردود فعل غير جيدة، فإن الزمن كفيل بتغيير النظرة إليها، لأن كل جيل يصبح أكثر تقبلا لما كان مثيرا للجدل في السابق.
❖ ما الذي يشكل أولويتكم كصانع أفلام؟
الأولوية بالنسبة لي هي الاستمرار في الإبداع وإنتاج أكبر عدد ممكن من الأفلام، لأنني أؤمن أن ما يبقى في النهاية هو العمل الفني نفسه، وأريد أن أستغل هذه الطاقة وهذا الشغف قبل أن يخفتا مع الزمن.
وما يصنع قوة السينمائيين الكبار هو أنهم لا يخافون من الصراع، ولا يخشون أن تكون أعمالهم صادمة أو مزعجة، لأن ذلك يعني أن هناك شيئا حيا، وأن هناك جرحا لم يلتئم بعد.
وبالنسبة لي، جوهر السينما في الأول والأخير؛ هو أن نمتلك الشجاعة لنحكي عن أنفسنا بكرامة، وأن نواصل طرح الأسئلة مهما كانت صعبة.




تعليقات الزوار ( 0 )