لم يكن مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مجرد حادثة أمنية عابرة في مدينة الزنتان، بل مثّل حدثا سياسيا بالغ الدلالة في بلد ما يزال يعيش على وقع الانقسام والفوضى. فبحسب توصيف مجلة جون أفريك الفرنسية، لم يُغتل رجل فحسب، بل جرى اغتيال “رمز” ظل حاضراً في الذاكرة الليبية، ومثار قلق لعدد من الأطراف المحلية والدولية.
سيف الإسلام القذافي، الذي كان يُنظر إليه قبل عام 2011 بوصفه الخليفة المحتمل لوالده، بقي اسمه متداولا في المعادلة السياسية الليبية رغم سنوات الاعتقال والعزلة.
وتشير مجلة جون أفريك الفرنسية، في عددها الأخير، نقلا عن الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال الحرشاوي، إلى أن ما حدث هو “اغتيال رواية كاملة”، في إشارة إلى السردية السياسية التي أبقت سيف الإسلام حيا في المخيال العام، حتى وإن كان دوره الفعلي محدودا.
عدد من القوى المحلية، خصوصا الميليشيات التي تشكل نفوذها بعد سقوط نظام القذافي، لم تكن تنظر بارتياح إلى الشعبية التي ظل يتمتع بها اسمه داخل قطاعات من المجتمع الليبي، وبحسب محللين نقلت عنهم BBC، كان يُنظر إلى عودته المحتملة أو حتى توظيف رمزيته كتهديد مباشر لمصالح أطراف راكمت السلطة والسلاح والموارد في ظل غياب الدولة، واستفادت من استمرار الانقسام السياسي.
ويرى مراقبون أن اغتيال سيف الإسلام يخدم كذلك أطرافا مستفيدة من بقاء الوضع الراهن دون تسوية سياسية، ومن خلال تصريحات نقلتها DW، اعتبر إعلاميون وخبراء في الشأن الليبي أن هناك مافيات داخلية ولوبيات خارجية ترى في أي مسار انتخابي أو مصالحة وطنية خطرا على نفوذها.
وكان سيف الإسلام، رغم ارتباك مساره السياسي ورفض ثم قبول ملف ترشحه للرئاسة قبل إلغاء الانتخابات، يمثل عقبة محتملة أمام إعادة إنتاج المشهد القائم، خاصة في ظل تقديرات أشارت إلى تصدره استطلاعات الرأي قبل سنوات.
كما تشير جون أفريك إلى أن مجرد وجود سيف الإسلام كان يُستغل كورقة ضغط وتهديد في صراعات محلية، بما في ذلك داخل مدينة الزنتان نفسها، حيث جرى التلويح باسمه بين الحين والآخر لتحقيق مكاسب سياسية أو تفاوضية.
في مقابل ذلك، كانت بعض القوى العسكرية والسياسية التي بنت شرعيتها على العداء التام للنظام السابق ترى في بقائه حيا مصدر قلق دائم، حتى لو لم يكن يمتلك مشروعا سياسيا واضح المعالم.
ولا تستبعد BBC فرضية تورط أطراف خارجية، إذ نقلت عن محللين وصحافيين ليبيين أن سيف الإسلام ظل شخصية إشكالية بسبب ماضيه المرتبط بملفات المحكمة الجنائية الدولية، وبسبب رمزيته التي تعيد إلى الأذهان مرحلة حكم القذافي، فالرجل، الذي لعب دورا محوريا في إعادة تطبيع علاقات ليبيا مع الغرب مطلع الألفية، بقي لغزاً سياسياً يصعب احتواؤه أو التنبؤ بمساره في حال عاد إلى الواجهة.
في المقابل، يقدّم بعض المحللين قراءة مختلفة، إذ يرى جلال الحرشاوي أن مقتل سيف الإسلام قد يؤدي إلى تراجع معنويات الفصائل الموالية للنظام السابق، وفي الوقت نفسه يزيل إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات، باعتبار أن وجوده كان يثير مخاوف مبالغاً فيها لدى خصومه، ويغذي حساسيات تاريخية حادة.
وبين من يعتبر اغتياله ضربة قاصمة لفرص المصالحة الوطنية، كما ورد في تحليلات نقلتها DW، ومن يرى فيه خطوة قد تخفف من حدة الاستقطاب السياسي، يبقى من المؤكد أن سيف الإسلام القذافي كان يُستخدم أكثر كرمز منه كفاعل سياسي فعلي.
ووفق قراءة مجلة جون أفريك، فإن اللعبة التي أُديرت باسمه كانت تقوم على الرمز لا على الرجل، في وقت كان هو نفسه قد فقد الإيمان بإمكانية لعب دور سياسي حقيقي.
وحتى في ظل غياب بيان يتبنى بشكل رسمي عملية الاغتيال، وتعدد الروايات حول ظروف مقتله، فإن تقاطع المصالح يشير إلى تعدد المستفيدين من غيابه، بين قوى محلية تخشى عودته، وشبكات مصالح تعيش على الفوضى، وخصوم سياسيين وعسكريين، وربما أطراف خارجية.
وفي دولة ليبيا المنقسمة، حيث يُغتال الرمز أحيانا قبل أن يتحول إلى مشروع سياسي، يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كان مقتل سيف الإسلام قد أغلق باب المصالحة، أم أزال أحد أكثر مفاتيحها تعقيدا.



تعليقات الزوار ( 0 )