تشهد إيران موجة احتجاجية غير مسبوقة منذ سنوات، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع في مختلف المدن، وأزال بعضهم صور الجنرال قاسم سليماني، ورددوا شعارات حادة مثل “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي”.
وعلى الرغم من المحاولات المستمرة لربط هذه الاحتجاجات بتدخلات خارجية، يكشف الوضع الراهن عن صراع أعمق حول الجهات المستفيدة فعلياً من هذا الغليان الشعبي، بينما تبقى المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين المحرك الأساسي للحراك.
لقد حاولت السلطات الإيرانية احتواء الوضع قضائيا وإعلاميا، حيث صرح المدعي العام محمد موحدي آزاد بأن التظاهرات السلمية ذات الطابع المعيشي “مفهومة من وجهة نظر قضائية”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي محاولة لتحويل هذه التظاهرات إلى أداة لزعزعة الأمن أو تنفيذ “سيناريوهات خارجية” ستواجه برد قانوني صارم.
هذه التصريحات تعكس وعي السلطة بتحديات الحراك الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تبرز الاستراتيجية المعتادة لنزع الشرعية عن أي احتجاجات قد يُعتقد أنها مدفوعة من الخارج.
في هذا السياق، يبرز الدور التركي كأحد العوامل المؤثرة المحتملة، لكن بشكل معقد وغير مباشر.
وفي هذا الصدد، نستحضر تصريح، هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، بعد أحداث الساحل السوري، حيث اتهم إيران والميليشيات العراقية التابعة لها، حيث وجه خطابا تحذيريا إلى إيران، قال فيه “إن الدول لا يمكنها التدخل في شؤون الآخرين دون أن تواجه تبعات مماثلة”.
وشدد فيدان بقوله وهو يوجه خطابه لإيران مباشرة “إن القدرات التي تمتلكونها يمتلكها غيركم أيضا”، وأن من لا يريد أن “تُرمى الحجارة على نوافذهم، فلا يجب أن يرموا الحجارة على نوافذ جيرانهم”.
هذا التصريح يمكن تفسيره كإطار سياسي ممهّد لاحتمال استخدام أنقرة أوراق ضغط ضمن المجال الإيراني، خصوصا في ظل التنافس الحاد بين البلدين على ملفات سوريا والعراق، والصراع غير المعلن على النفوذ الإقليمي، وشبكات التأثير العابر للحدود.
الفرضية التركية تبدو أكثر واقعية وموضوعية مقارنة بمحاولات تحميل إسرائيل مسؤولية تحريك الشارع الإيراني.
لماذا؟
لإن إسرائيل تعد، شعبيا ورسميا، خصيما مكروها داخل إيران، ولا سيما بعد حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة، ما يجعل ربط الاحتجاجات مباشرة بها أمرا غير فعال وقد يضعف الحراك شعبيا، كما يسهل على السلطات الإيرانية نزع الشرعية عنه ووصمه بالعمالة.
في مقابل ذلك تمتلك تركيا أدوات تأثير متعددة تجعل فرضية دورها محتملة وأكثر تعقيدا، بدء من امتدادات بشرية وثقافية في المناطق الإيرانية الناطقة بالتركية، خصوصا بين الأذريين الذين يشكلون نحو ثلث السكان ويتابعون الإعلام التركي أكثر من الإيراني.
هذا الامتداد الثقافي والاجتماعي يعطي تركيا قاعدة للتأثير بعيدا عن المواجهة المباشرة، كما أنها تتمتع بخبرة طويلة في إدارة شبكات نفوذ غير مباشرة في إيران، سواء عبر القنوات الأكاديمية أو المجتمعية أو الإعلامية.
على مستوى التاريخ الراهن، شكلت العلاقات التركية الإيرانية في العراق وسوريا عاملا أساسيا في هذه الحسابات، تركيا وإيران تتنافسان منذ عقود على النفوذ في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين (حزب البعث في العراق)، حيث تدعم أنقرة أحزابا وأطرافا سياسية وعشائرية، بينما تحاول طهران الحفاظ على نفوذها التقليدي عبر شبكاتها الدينية والسياسية.
أما في سوريا، فإن التنافس أكثر وضوحا، فتركيا تدعم الدولة الجديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد (حزب البعث في سوريا) وهو ما أثر على النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، كما أن إيران متهمة من قبل تركيا بتحريك الساحل السوري وخاصة في طرطوس واللاذقية لإضعاف حكام دمشق الجدد المدعومون من لدن أنقرة.
إلى جانب الخلفية التاريخية والجغرافية، فإن تركيا تمتلك نخبا إدارية وأمنية متخصصة تتقن لغات ولهجات المنطقة، ما يسهل العمل الاستخباراتي والسياسي غير المواجه مباشرة، ويتيح لها مراقبة المشهد الاجتماعي والثقافي والتأثير فيه بشكل دقيق.
كما أن امتداد الإعلام التركي ونفوذه بين الأذريين يضيف أبعادا غير تقليدية، تمكن من توجيه الرأي العام المحلي دون الحاجة إلى تدخل صادم يمكن أن يثير ردود فعل عنيفة.
وبين النفوذ التركي الاستراتيجي غير المباشر، ومحاولات أطراف أخرى لاستثمار الاحتجاجات إعلامياً، كما في حالة جهاز “الموساد”، يظل الشارع الإيراني محاصرا بين مطالب حقيقية للمعيشة وتجاذبات إقليمية تسعى كل منها إلى توجيه الاحتجاج أو استثماره، لا إلى معالجة جذوره الاقتصادية والاجتماعية.
على سبيل الختام؟
إن هذا الوضع يضع الحراك في حالة من التعقيد المستمر، حيث يلتقي الواقع الداخلي بمعادلات القوى الإقليمية، ما يجعل فهم ما يجري في إيران أمرا ضروريا، ليس فقط للمراقبين السياسيين، بل لكل من يهتم بمستقبل المنطقة واستقرارها.
وفي المحصلة، يبدو أن تركيا، بخبرتها الاستراتيجية وامتدادها الثقافي والاجتماعي، هي الطرف الأكثر قدرة على التأثير في المشهد الإيراني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في حين أن الاحتجاجات نفسها تعكس بالدرجة الأولى معاناة حقيقية لمواطنين يبحثون عن لقمة العيش واستقرار حياتهم اليومية، وليس عن أهداف خارجية.



تعليقات الزوار ( 0 )