يشهد قطاع اللحوم الحمراء بالمغرب تحولات متسارعة تطرح تساؤلات عميقة حول توازناته الاقتصادية وقدرته على تحقيق التكامل بين مكوناته، ففي ظل ارتفاع أسعار اللحوم والمنتجات الجلدية، يبرز عنصر أساسي داخل هذه المنظومة، ظل لسنوات يشكل رافعة مالية غير مباشرة، قبل أن يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته في السياق الراهن، وهو ما يعكس اختلالات هيكلية في تدبير الموارد المرتبطة بسلسلة الإنتاج.
وهذا الواقع يكشف عن مفارقة واضحة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة، حيث يتم إهدار مورد اقتصادي مهم كان من شأنه أن يساهم في تخفيف كلفة الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة، وبين ضعف التنظيم وغياب الربط بين مختلف الفاعلين، تتسع الفجوة بين المادة الأولية وسعر المنتوج النهائي، مما يستدعي إعادة التفكير في نموذج تدبير هذا القطاع الحيوي.
-مفارقة الأسعار
يؤكد هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء-سطات، أن سوق جلود الأبقار بالمغرب يعيش مفارقة صادمة تعكس عمق الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع.
وأوضح الجوابري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه الجلود، التي كانت في السابق موردًا ماليًا مهمًا للجزارين، أصبحت اليوم شبه عديمة القيمة.
وأشار إلى أن جلود الأبقار المستوردة، خصوصا من البرازيل والأوروغواي، يتم منحها مجانا، في حين لا يتجاوز سعر الجلود المحلية درهمًا واحدًا للكيلوغرام، وهو ما يمثل تراجعًا كبيرًا مقارنة بالفترات السابقة.
وأضاف أن الجزارين كانوا في وقت سابق يحققون عائدات تصل إلى 400 درهم عن كل جلد، وهو ما كان يساهم بشكل مباشر في التخفيف من تكلفة اللحوم، غير أن هذا المعطى لم يعد قائمًا اليوم، مما أثر على توازن معادلة التسعير.
-قيمة مهدورة
يشدد هشام الجوابري على أن جلود الأبقار لم تعد تحظى بالتثمين اللازم، رغم كونها موردًا استراتيجيًا كان من الممكن أن يساهم في خلق قيمة مضافة مهمة داخل الاقتصاد الوطني.
وأبرز الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء-سطات، أن هذه الجلود تصرف حاليًا بأثمان زهيدة، أو يتم التعامل معها كمادة ثانوية دون استثمار حقيقي.
وأوضح أن غياب رؤية واضحة لتثمين هذه المادة الأولية، إلى جانب ضعف آليات التجميع والتوجيه نحو وحدات الدباغة، يساهم في تفاقم الهدر وفقدان القيمة الاقتصادية الممكنة.
ولفت إلى أن استمرار ارتفاع أسعار المنتجات الجلدية النهائية، رغم انخفاض أو مجانية المادة الخام، يطرح تساؤلات حقيقية حول مسارات التسعير وهوامش الربح داخل القطاع.
-إنتاج كبير
في حديثه عن حجم الإنتاج، أفاد الجوابري أن مجازر الدار البيضاء وحدها تنتج حوالي 500 جلد يوميًا، دون احتساب باقي المجازر على الصعيد الوطني، خاصة تلك المرخصة من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
وأكد أن هذا الحجم الكبير يعكس وجود مورد ضخم غير مستغل بالشكل الأمثل، ما يمثل خسارة اقتصادية مباشرة وفرصة ضائعة لخلق قيمة مضافة محلية.
وأضاف الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء-سطات، أن غياب قنوات فعالة لتوجيه هذا الإنتاج نحو وحدات التحويل والتصنيع، يجعل جزءًا مهمًا منه عرضة للتبخيس أو الإهمال.
-اختلالات هيكلية
يشير هشام الجوابري إلى وجود مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تعيق تثمين جلود الأبقار، في مقدمتها غياب تنظيم واضح لسوق الجلود الخام، حيث لا توجد آليات محددة لتجميعها أو تسعيرها أو توجيهها.
وأشار إلى ضعف الربط بين المجازر ووحدات الدباغة والتصنيع، ما يؤدي إلى انفصال حلقات الإنتاج عن بعضها البعض، ويحد من إمكانية خلق سلسلة قيمة متكاملة.
وأضاف أن هيمنة الوسطاء، أو ما يعرف بـ”الفراقشية”، تساهم في تبخيس قيمة الجلود عند المصدر، مقابل رفع أسعارها في مراحل لاحقة، مما يخلق اختلالاً في توزيع الأرباح داخل القطاع.
-خيارات مطروحة
فيما يتعلق بالحلول، أوضح الجوابري أن بعض المهنيين يدعون إلى فتح باب تصدير الجلود كحل مرحلي لتصريف الفائض وتحقيق حد أدنى من العائدات، غير أنه اعتبر أن هذا الخيار يظل محدود الأثر.
وأكد أن التصدير في شكله الخام يعني تفويت فرص خلق قيمة مضافة محلية، مشددًا على أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على تطوير التصنيع الداخلي.
وشدد على ضرورة إعادة هيكلة سلسلة الجلود بشكل متكامل، عبر تنظيم السوق، وتحفيز الاستثمار في وحدات الدباغة، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يضمن تثمين هذا المورد وتحويله إلى رافعة اقتصادية حقيقية.


تعليقات الزوار ( 0 )