كشف تقرير تحليلي نشره موقع “أفريكا إنتليجنس” (Africa Intelligence) الفرنسي، المتخصص في الشؤون الاستراتيجية، عن تحركات مكثفة تقودها شركات الدفاع الفرنسية، بدعم مباشر من باريس، لاستعادة موقعها داخل السوق العسكرية المغربية، بعد سنوات من البرود السياسي والمنافسة الدولية الحادة.
ويصف التقرير المرحلة الحالية بـ “اللعبة الكبرى” الجديدة، حيث تتقاطع الاعتبارات الدبلوماسية مع المصالح الصناعية، ويتحول الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء إلى مدخل لإعادة ترتيب الأوراق في مجال حساس واستراتيجي هو التعاون الدفاعي.
MAROC | Depuis plusieurs mois, la France œuvre à un rapprochement entre ses industries de la défense et les autorités marocaines. Une équipe de la Délégation générale de l’armement s’est entretenue avec les Forces armées royales à Rabat fin janvier.
➡️ https://t.co/zcAJ47biWa pic.twitter.com/A9eFIRcyBl— Africa Intelligence (@Africa_In_FR) February 24, 2026
-إحياء الثقة
يرى التقرير أن باريس تسعى إلى “إعادة إحياء الشعلة” في علاقاتها العسكرية مع الرباط، مستفيدة من التحول السياسي الأخير الذي فتح نافذة جديدة للتقارب.
والدعم الفرنسي لمغربية الصحراء لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل شكل أيضاً رسالة استراتيجية موجهة إلى صناع القرار في المغرب.
وهذا التحول وفق التقرير، أزال جزءاً من التوتر الذي طبع العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية، ومهد لعودة الاتصالات المكثفة بين المؤسسات الدفاعية في البلدين، حيث أوفدت المديرية العامة للتسليح الفرنسية وفداً رسمياً إلى الرباط لإجراء مباحثات مباشرة مع القوات المسلحة الملكية، في مؤشر على رغبة مؤسساتية واضحة في إعادة بناء الثقة.
ويؤكد التقرير أن هذه العودة لا تقرأ فقط في إطار المصالح الفرنسية، بل أيضاً ضمن حسابات مغربية تبحث عن تنويع الشركاء، مع الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الدولية الفاعلة في سوق التسلح.
-استراتيجية جديدة
لم تعد المقاربة الفرنسية قائمة على بيع العتاد الجاهز فقط، بل انتقلت بحسب التقرير، إلى تبني استراتيجية أكثر مرونة تقوم على نقل التكنولوجيا وتوطين جزء من التصنيع داخل المغرب.
وتبرز في هذا السياق أسماء كبرى في قطاع الصناعات الدفاعية الفرنسية، من بينها “Dassault Aviation”، المصنعة لطائرات “رافال”، و”Thales” المتخصصة في الأنظمة الإلكترونية والرادارات، و”Naval Group” الرائدة في الصناعات البحرية العسكرية، إضافة إلى “Airbus” التي تنشط في مجالات الطيران العسكري وأنظمة الاستطلاع.
وهذه الشركات، وفق ما أورده التقرير، باتت تقبل بمبدأ “صنع في المغرب”، في انسجام مع القانون المغربي رقم 10.20 المتعلق بإنشاء صناعات عسكرية وطنية.
وتُناقش حالياً مشاريع لإقامة مراكز صيانة وتجميع مشترك، وربما وحدات تصنيع جزئي، بما يسمح بنقل المعرفة وتعزيز الكفاءات المحلية.
ويرى الموقع أن هذه المقاربة تمثل تحولاً عميقاً في طريقة تفكير الصناعات الدفاعية الفرنسية، التي كانت تقليدياً أكثر تحفظاً فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا.
-تحديث جوي
أحد أبرز الملفات المطروحة يتعلق بتحديث القوات الجوية المغربية، خاصة في ظل الحاجة إلى تعويض أو تطوير أسراب طائرات “ميراج” القديمة، هنا تحاول شركة “داسو” إقناع الرباط بتوسيع أسطولها من طائرات “رافال”، مستفيدة من سجلها العملياتي ومن السمعة التقنية للطائرة.
وغير أن هذا الملف لا يخلو من تعقيدات، نظراً لارتباط المغرب بشراكات عسكرية قوية مع الولايات المتحدة، خاصة في مجال الطيران الحربي، وبالتالي فإن أي قرار بخصوص اقتناء مقاتلات جديدة سيخضع لحسابات سياسية واستراتيجية دقيقة.
ويشير التقرير إلى أن باريس تدرك حساسية هذا الملف، وتسعى إلى تقديم عروض تتضمن حزم دعم لوجستي وتدريب ونقل معرفة، وليس مجرد صفقة شراء تقليدية.
-رهان بحري
في المجال البحري، تسعى “Naval Group ” إلى تعزيز حضورها داخل الأسطول الملكي، خصوصاً مع وجود مشاريع لتوسيع وتحديث القواعد البحرية المغربية.
والمغرب الذي يولي أهمية متزايدة لأمنه البحري في واجهتي المتوسط والأطلسي، يبحث عن تعزيز قدراته في مجالات المراقبة الساحلية، والحرب المضادة للغواصات، وتأمين خطوط الملاحة.
وترى “أفريكا إنتليجنس” أن الشركات الفرنسية تراهن على خبرتها الطويلة في بناء الفرقاطات والسفن القتالية، وتعرض نماذج شراكة تشمل الدعم التقني طويل الأمد، وهو عنصر أساسي في الصفقات البحرية.
-تفوق تكنولوجي
جانب آخر من المنافسة يتمثل في الأنظمة التكنولوجية المتقدمة، حيث تركز “Thales ” على الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي والأمن السيبراني، بينما تقدم “Airbus” حلولاً في مجالات الاستطلاع الجوي والاتصالات العسكرية.
ويدخل ملف الطائرات بدون طيار ضمن الأولويات المغربية، وهو مجال يشهد تطوراً سريعاً، إذ إن فرنسا تحاول تقديم بدائل متقدمة، لكن المنافسة فيه شرسة للغاية، خصوصاً في ظل الحضور الإسرائيلي والتركي والصيني.
ويشير التقرير إلى أن الرباط تنظر إلى هذه المجالات باعتبارها جوهر تحديثها العسكري في أفق 2026 وما بعده، ما يجعلها نقطة اختبار حقيقية لقدرة العروض الفرنسية على الإقناع.
-منافسة شرسة
لا يخفي التقرير أن “اللعبة الكبرى” لن تكون سهلة، فالولايات المتحدة رسخت موقعها كشريك استراتيجي أول للمغرب، خصوصاً عبر مناورات “الأسد الإفريقي” والتعاون الوثيق في مجالات التدريب والتسليح.
وإسرائيل بدورها أصبحت مورداً رئيسياً للأنظمة المتقدمة، خاصة في مجال الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الذكي، وأما الصين وتركيا فتقدمان عروضاً بتكلفة أقل وسرعة تنفيذ أكبر، وهو ما يشكل إغراءً مهماً في سوق تسليح عالمية تنافسية.
وفي هذا السياق، تجد فرنسا نفسها مطالبة بتقديم عرض يتجاوز البعد التجاري، ليشمل استثمارات صناعية حقيقية وشراكات طويلة الأمد.
-شراكة متجددة
يبرز تقرير “أفريكا إنتليجنس” أن عودة الصناعات الدفاعية الفرنسية إلى الواجهة في المغرب ليست مجرد مسألة صفقات، بل اختبار لقدرة باريس على التكيف مع تحولات عميقة في الاستراتيجية المغربية.
والرباط لم تعد تكتفي بعلاقات تقليدية، بل تسعى إلى شراكات تقوم على نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتنويع الموردين، ومن ثم فإن نجاح الشركات الفرنسية، مثل “Dassault Aviation” و”Thales” وNaval Group”” و”Airbus” سيعتمد على قدرتها على تلبية هذه الشروط الجديدة.
وبين الرغبة الفرنسية في استعادة موقع تقليدي، والطموح المغربي لبناء صناعة دفاعية سيادية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون، عنوانها الأبرز: شراكة مشروطة بالتصنيع المحلي والتوازن الاستراتيجي.



تعليقات الزوار ( 0 )