كشفت ورقة تحليلية أنجزها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، حسن بنطالب، ونشرتها منصة “ميغرابريس”، عن تحولات مقلقة في طبيعة الخطاب المتداول داخل الفضاء الرقمي المغربي، إذ أظهر أول “بارومتر ميغرابريس” هيمنة واضحة للخطابات السلبية تجاه المهاجرين، في سياق يتسم بتنامي مظاهر الاستقطاب والتبسيط المفرط للقضايا المرتبطة بالهجرة.
واعتمدت الدراسة على تحليل عينة مكونة من 500 منشور جمعت بين فاتح يناير و24 مارس 2026 من منصات “فايسبوك” و”يوتيوب” و”تيك توك”، حيث تبين أن نحو ثلثي هذه المنشورات تحمل مضامين سلبية، فيما ترتبط نسبة تقارب 70 في المئة منها بمضامين مضللة أو غير دقيقة، ما يعكس خللاً بنيويًا في إنتاج وتداول المعلومات داخل الفضاء الرقمي .
❖ هيمنة خطاب الرفض
تؤكد نتائج التقرير على أن الخطاب الرافض للمهاجرين لم يعد مجرد حالات معزولة، بل تحول إلى نمط مهيمن داخل النقاش الرقمي، حيث أظهرت المعطيات أن أكثر من نصف المحتوى المدروس يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ“منطق الرفض”، سواء في شكله الصريح أو الضمني، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في حدة الخطاب.
وأبرزت الدراسة أن حوالي 46 في المئة من المنشورات تتسم بدرجة عالية من العنف الرمزي أو اللفظي، ما يعكس انتقالاً من مجرد التعبير عن مواقف سلبية إلى تبني لغة أكثر عدائية، تستهدف في كثير من الأحيان كرامة الفئات المعنية .
ومن بين أبرز الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير، ما وصفه بـ“انهيار المركز الخطابي”، حيث تتراجع المساحات التي كانت تسمح بنقاشات متوازنة أو نقد عقلاني، مقابل صعود ثنائيات حادة من قبيل “نحن” و”هم”.
وهذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة النقاش، بل يشير إلى تآكل القدرة على إنتاج خطاب وسطي قادر على استيعاب تعقيد الظاهرة، وهو ما يساهم في تعزيز الاستقطاب وتقليص فرص الحوار العمومي المتوازن.
❖ تطبيع الرفض
لا تقف خطورة الظاهرة عند حدود الخطابات المتطرفة، بل تمتد إلى ما يسمى بـ“الخطابات الوسيطة”، التي لا تتضمن بالضرورة عبارات كراهية صريحة، لكنها تساهم في ترسيخ الصور النمطية وتطبيع الرفض.
وتوضح الدراسة أن هذه الفئة من الخطابات تلعب دورًا محوريًا في نقل الأفكار العدائية من الهامش إلى المركز، عبر مسار تدريجي يجعلها أكثر قبولاً داخل المجتمع الرقمي، قبل أن تتحول إلى مواقف سائدة.
❖ غياب التوازن
في المقابل، يسجل التقرير ضعفًا لافتًا في حضور الخطابات البديلة أو المضادة، ما يؤدي إلى اختلال واضح في التوازن داخل الفضاء الرقمي. فغياب أصوات تدافع عن مقاربات أكثر تعقلاً أو إنسانية يسهم في تكريس هيمنة السرديات السلبية.
ويؤدي هذا الفراغ إلى إعادة إنتاج نفس التمثلات بشكل متكرر، دون مساءلة أو تفكيك، ما يعزز من قابلية انتشارها وتأثيرها على الرأي العام.
❖ التضليل الرقمي
يبرز التقرير أيضًا الدور المركزي للتضليل في تغذية الخطابات العدائية، حيث لا يقتصر الأمر على نشر معلومات خاطئة، بل يتعداه إلى بناء سرديات كاملة قائمة على معطيات غير دقيقة أو مجتزأة.
وتستخدم هذه المضامين وفق الدراسة، كأدوات لإضفاء طابع “واقعي” على مواقف الرفض، مما يجعلها أكثر قابلية للتصديق والتداول، خاصة في بيئة رقمية تحكمها السرعة والانتشار الواسع.
وعلى مستوى المنصات، يشير التحليل إلى أن “فايسبوك” يشكل الفضاء الأكثر نشاطًا في تداول هذه الخطابات، بنسبة تصل إلى 88 في المئة من المحتوى المدروس، فيما تلعب منصتا “يوتيوب” و”تيك توك” دورًا مهمًا في تضخيم المحتويات الأكثر إثارة وجذباً للتفاعل.
وغير أن التقرير يشدد على أن هذه المنصات لا تنتج الخطاب بقدر ما تساهم في تسريعه وتضخيمه، في إطار ما يعرف بـ“اقتصاد الانتباه”، الذي يفضل المضامين المثيرة والمشحونة عاطفيًا.
❖ أبعاد أوسع
لا ينفصل هذا التحول عن سياقات أوسع، تشمل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، إضافة إلى تأثير الخطابات الإعلامية والتمثلات الثقافية، فالنقاش حول الهجرة، كما يبرز التقرير، أصبح مشحونًا باعتبارات أمنية وهوياتية، تختزل الظاهرة في صور نمطية مبسطة.
ويسجل التحليل توسع دائرة الاستهداف، لتشمل فئات أخرى داخل المجتمع، بما في ذلك النساء المغربيات في بعض السياقات، وهو ما يعكس امتداد منطق الإقصاء إلى مجالات أوسع.
ويخلص “بارومتر ميغرابريس” إلى أن الفضاء الرقمي المغربي يشهد تحولاً عميقًا في طبيعة النقاش حول الهجرة، يتسم بتصاعد الخطابات العدائية، وتراجع التعددية، وهيمنة التضليل.
ورغم أن هذه النتائج لا تعكس بالضرورة مواقف المجتمع ككل، فإنها تسلط الضوء على ديناميات مؤثرة في تشكيل الرأي العام، ما يستدعي بحسب التقرير؛ تعزيز آليات التحليل النقدي، ودعم إنتاج خطاب إعلامي متوازن، قادر على استيعاب تعقيد الظواهر بدل اختزالها.




تعليقات الزوار ( 0 )