وسط استمرار الجدل حول واقع السلامة الطرقية ومنظومة التكوين المرتبطة بها، تتصاعد أصوات مهنية تنتقد حصيلة الإصلاحات المعلنة داخل قطاع تعليم السياقة، معتبرة أن الفجوة ما تزال قائمة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، في وقت تتزايد فيه شكاوى المؤسسات من ضغوط اقتصادية وتنظيمية وتقنية تؤثر على استمرارية نشاطها وعلى جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
حصيلة مثيرة
يرى دحان بوبرد، رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية، أن السنوات الست الأخيرة، منذ انتقال تدبير القطاع إلى الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، لم تحمل إصلاحًا حقيقيًا ينعكس بشكل ملموس على واقع المهنيين أو على السير العادي للقطاع.
واعتبر بوبرد في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن ما يتم تقديمه ضمن التقارير والحصائل الرسمية لا يعكس حقيقة الوضع الذي تعيشه مؤسسات تعليم السياقة، مشيرًا إلى أن الخطاب المرتبط بالتحديث والإصلاح يصطدم يوميًا بإكراهات ميدانية متراكمة؛ سواءً على مستوى التدبير أو الخدمات أو التواصل مع الفاعلين المهنيين.
وأضاف أن المهنيين ظلوا طوال هذه السنوات، ينتظرون إصلاحات تعالج الاختلالات البنيوية التي يعانيها القطاع، غير أن عددًا من المشاريع التي تم تقديمها كأوراش إصلاحية لم تحقق الأهداف المرجوة أو ظلت حبيسة الوعود والتصورات النظرية.
قرارات أحادية
يثير بوبرد انتقادات واسعة للطريقة التي تم بها اعتماد بعض القرارات التنظيمية، معتبرًا أن عددًا من الإجراءات اتخذت بشكل أحادي ودون إشراك التمثيليات المهنية، وهو ما خلق بحسبه، حالة من التوتر وعدم القناعة داخل القطاع.
ومن بين الأمثلة التي يقدمها المتحدث، فرض شرط إحداث منصب “مدير مؤسسة تعليم السياقة” مع اشتراط تكوين متخصص داخل معاهد النقل، معتبرًا أن المفارقة تكمن في غياب هذه الشعبة أصلاً داخل المؤسسات التكوينية المغربية، الأمر الذي يطرح وفق رأيه، تساؤلات حول قابلية تنزيل القرار على أرض الواقع.
ويرى رئيس الاتحاد أن إصدار شروط تنظيمية غير مرتبطة بالإمكانات المتاحة يعكس نوعًا من الارتجالية في تدبير الملفات، ويؤدي إلى خلق عراقيل إضافية أمام المؤسسات بدل تمكينها من أدوات التطوير والتأهيل.
مشاريع متعثرة
فيما يخص بنك الأسئلة الجديد الخاص بالامتحانات النظرية، يؤكد بوبرد أن المشروع لا يعد مبادرة جديدة، بل يعود إلى مطالب سابقة رفعتها الهيئات المهنية منذ سنوات، مشيرًا إلى أن المشروع عرف محاولات إطلاق متعددة قبل أن تتم إعادة تقديمه ضمن حصيلة الوكالة.
واعتبر أن طريقة تسويق المشروع باعتباره إنجازًا استثنائيًا تتجاهل المسار الطويل الذي قطعه الملف، مبرزًا أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بإخراج المشروع، بل أيضًا بمدى مساهمته في حل الإشكالات المرتبطة بالامتحانات والتقييم.
وأما بخصوص منصة التعلم عن بعد، فيؤكد أن التجربة لم تحقق النتائج المأمولة، بسبب ما يصفه بضعف المحتوى البيداغوجي وصعوبة الولوج التقني في عدد من المناطق، ما دفع العديد من المؤسسات إلى تطوير حلول بديلة لضمان استمرار التكوين.
مقترحات مجمدة
يشير رئيس الاتحاد إلى أن الهيئات المهنية قدمت، خلال السنوات الأخيرة، عددًا من المذكرات والمراسلات والمقترحات المرتبطة بإصلاح القطاع، غير أن جزءًا كبيرًا منها لم يجد طريقه إلى التفعيل أو المناقشة الجدية.
وأضاف أن الاجتماعات التي خصصت لمراجعة دفتر التحملات الخاص بفتح واستغلال مؤسسات تعليم السياقة أفرزت توصيات ومقترحات عديدة، غير أنها بقيت بحسب تعبيره، دون تنزيل عملي.
ولفت إلى أن مشاريع أخرى، من قبيل المخطط المديري الذي تم الاشتغال عليه عبر المديريات الجهوية، لم تعرف بدورها طريقها إلى التنفيذ، رغم الجهود والموارد التي تم تسخيرها لإعدادها.
اختلالات تشغيلية
من بين أبرز الإشكالات التي يطرحها بوبرد، أزمة الموارد البشرية داخل المصالح العملياتية والمراكز الجهوية، معتبرًا أن الخصاص المسجل في عدد الموظفين والفاحصين أصبح يؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات وعلى آجال معالجة الملفات.
وأكد أن هذا الوضع دفع بعض المراكز، بحسب قوله، إلى الاستعانة بأعوان شركات الأمن الخاص للقيام بمهام إدارية واستقبالية، وهي ممارسة يعتبرها خروجًا عن الأدوار المحددة لهذه الفئة وتطرح إشكالات تنظيمية وقانونية.
وانتقد الأعطاب المتكررة التي يعرفها النظام المعلوماتي؛ سواءً على مستوى حجز المواعيد أو معالجة الملفات، مشيرًا إلى أن هذه الاختلالات تخلق ضغطًا إضافيًا على المهنيين والمرتفقين على حد سواء.
مواعيد متباعدة
يربط بوبرد أزمة المواعيد الطويلة التي تعرفها مراكز الامتحان بسياسة تحديد عدد المترشحين ونقص الموارد البشرية، مؤكدًا أن بعض المترشحين يضطرون إلى الانتظار لأكثر من شهرين لاجتياز الامتحانات.
واعتبر أن هذا الوضع لا ينعكس فقط على المواطنين، بل يؤثر أيضًا على المؤسسات التي تصبح مطالبة بتحمل أعباء إضافية مرتبطة بتمديد فترات التكوين وإعادة برمجة الدروس.
وأضاف أن استمرار هذه الاختلالات يكرس حالة من الاحتقان داخل القطاع؛ خاصة مع تكرار الأعطاب التقنية وصعوبة تدبير المواعيد بشكل سلس ومنتظم.
قطاع يحتضر
اقتصاديًا، يرسم بوبرد صورة قاتمة عن وضع مؤسسات تعليم السياقة، معتبرًا أن عددًا كبيرًا منها أصبح يواجه صعوبات حقيقية في تغطية التكاليف الأساسية وضمان استمرارية النشاط.
وأشار إلى أن عددًا من المهنيين اضطروا إلى اللجوء إلى مدخراتهم الشخصية للحفاظ على مؤسساتهم من الإغلاق، في ظل تراجع المردودية وارتفاع المصاريف التشغيلية.
وانتقد استمرار الترخيص لمؤسسات جديدة داخل سوق يعتبره مشبعًا، موضحًا أن اختلال التوازن بين العرض والطلب ساهم وفق تصوره، في تسريع وتيرة الأزمات المالية والإفلاس داخل القطاع.
دعوات للإصلاح
يجدد رئيس الاتحاد دعوته إلى اعتماد مقاربة إصلاحية أكثر واقعية وارتباطًا بالإشكالات اليومية التي يعيشها القطاع، معتبرًا أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من تشخيص دقيق للأعطاب البنيوية.
وشدد على ضرورة فتح قنوات تواصل فعالة مع الهيئات المهنية والاستفادة من المقترحات التي تقدمها، بدل الاكتفاء بحلول فوقية لا تنعكس على الممارسة اليومية.
وأكد أن إنقاذ القطاع لم يعد يرتبط فقط بتطوير الإجراءات الإدارية، بل أصبح رهينًا، بإرادة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الإدارة والمهنيين، وضمان استدامة مؤسسات أصبحت تواجه تحديات متزايدة تهدد استمرارها.





تعليقات الزوار ( 0 )